الآلة
إنّ الشيء الذي يقرأ هذه الكلمات يولّد الكهرباء ويبثّ النور، ومع ذلك لا يكاد أحد يشغّله قريباً من طاقته القصوى. وهذا هو دليل تشغيله: عمرٌ أطول وأصحّ، ونومٌ تستطيع أن تستيقظ في داخله، والمقامات العليا التي طارد المتصوّفون أثرها أعماراً بكاملها.
في هذه اللحظة، وبينما تقرأ هذه الجملة، يعيد الشيء الذي يقرأها بناء نفسه، خليّةً خليّةً، من الهواء الذي استنشقته للتوّ. لقد سُلّمت عند ولادتك أرقى آلة في الكون المعروف، ولم يهبك أحدٌ قطّ دليل تشغيلها.
لم تنقصك التعاليم عن كيفية الحياة، وعمّا ينبغي أن تسعى إليه، ومن ينبغي أن تصير، لكنّك لم تُعطَ شيئاً عن الآلة التي تنهض بكلّ ذلك. وهذا هو موضوع هذا الكتاب. ليس ديناً، ولا فلسفة، ولا منظومة معتقدات يُطلب منك اعتناقها، بل دليل تشغيل الآلة التي تقرأ بها هذه الكلمات: الجسد، والعقل الذي يعمل عليه. ولم يكد أحدٌ يُكشَف له يوماً كيف يعمل هذا الجسد حقّاً، ناهيك عن أن يُعلَّم كيف يقوده إلى حدود ما يقدر عليه. وما هذا الكتاب إلّا ذلك التصميم نفسه، مقروءاً عليك بلسانٍ صريح من الآليّة والعلم.
والتصميم يأخذ بالألباب. سبعةٌ وثلاثون تريليون خليّة، وفي قلب كلّ واحدة تقريباً صفٌّ من المراكز المعدنيّة يمرّر الإلكترونات يداً بيد كما يجري التيار في سلك، وهي الحركة عينها التي تشغّل لوحة دارات إلكترونيّة. ينطلق العصب بأن يقذف الشحنة على امتداد طوله بسرعة مئة متر في الثانية. ويعمل القلب على نبضةٍ من الجهد الكهربائيّ تلتقطها الآلة مباشرةً من جلدك. وكامل سطحك يبثّ نوراً خفيفاً قابلاً للقياس، ما يعني أنّك، بأدقّ معنى للكلمة، متوهّجٌ وأنت تقرأ هذا. وخلف منتصف جبينك تستقرّ غدّةٌ تنمّي بلّورات حقيقيّة، وبوسعها إمّا أن تتصلّب نحو الحجر، وإمّا أن تُعاد إلى الحياة. وعند قاعدة العمود الفقريّ يربض احتياطيٌّ من الشحنة الخلّاقة من القوّة بحيث إنّ التقاليد التي تعلّمت كيف تسوقها صعوداً بدل أن تستنزفها سمّت ما يعقب ذلك ميلاداً ثانياً. وليس شيءٌ من ذلك مجازاً، وليس شيءٌ منه تصوّفاً غامضاً. كلّ سطرٍ آليّةٌ مقيسة يمكن الاستشهاد بمصدرها، وكلّ دعوى في هذه المطبوعة مثبّتةٌ بإحكام إلى واحدةٍ منها.
ما هو المعروض عليك حقّاً
من حقّك أن تعرف، قبل أن تقرأ كلمةً واحدة أخرى، ما الغاية الحقّ من خوض هذا العمل. فإليك إيّاها، مذكورةً بوضوح.
إنّ معظم الأمراض التي عُلّمت أن تخشاها، وأن تدبّرها بحبّةٍ تتجرّعها بقيّة عمرك، ليست سوء حظّ ولا هي في جيناتك. بل هي الناتج المتوقَّع لآلةٍ تُشغَّل في الظروف الخطأ: مجوَّعةٍ ممّا تحتاج إليه، غارقةٍ فيما يسمّمها، تُدار عاماً بعد عام على وقودٍ لا تقوى على استعماله، وفي دورةِ ضوءٍ لم تتكيّف معها قطّ. أعِد الظروف إلى نصابها، فيفعل الجسد الشيء الوحيد الذي يعرف كيف يفعله منذ أوّل خليّةٍ حيّة. إنّه يشفي نفسه. لن يداوي هذا الكتاب شيئاً واحداً، وهو ليس بحاجةٍ إلى ذلك. فالجسد هو الطبيب. وما هذه الصفحات إلّا تريك، بتفصيلٍ دقيقٍ مكشوف، كيف تكفّ عن الوقوف في طريقه وتدعه يفعل ما خُلق ليفعله.
وما ينتظرك على الضفّة الأخرى من هذا العمل ليس نسخةً أكثر تنظيماً من الحياة التي تحياها أصلاً. إنّه آلةٌ مختلفة. اقرأ هذا من أوّله وشغّله، وإليك ما يمكنك أن تتوقّعه.
- حياةٌ أطول، وقدرٌ أكبر منها بكثير قضي على خير ما يُرام. سنواتٌ تُضاف، والانحدار الرماديّ الطويل الذي يقبله أكثر الناس بوصفه شيخوخةً مُنتزَعٌ من السنوات التي تحتفظ بها.
- طاقةٌ لا تنهار، وعقلٌ يبقى صافياً من لحظة استيقاظك حتّى لحظة نومك.
- نومٌ يعيد بناءك فعلاً، وأحلامٌ تستطيع أن تلج فيها وأنت في كامل يقظتك. فالحلم الواعي الذي تتنقّل فيه بإرادتك مهارةٌ مدرَّبة، والغدّة التي خلف جبينك هي مفتاحه.
- تحرّرٌ من الشهوات والنزوات التي تحكم في صمتٍ أيّام أكثر الناس: الجوع، والقلق، وجذب الأشياء التي تستنزفك.
- تأمّلٌ عميق يُبلَغ عند الطلب بدل أن يُطارَد ساعةً كاملة، ومقامات الوعي الشاسعة الساكنة التي أمضى أهل التأمّل أعمارهم كلّها في رسم خرائطها، والتي لا تكاد المختبرات تلحق بقياسها إلّا الآن.
- الشحنة الخلّاقة والجنسيّة التي ما برحت تنفقها وتسرّبها، تُقلَب وتُساق صعوداً لتصير تركيزاً ودافعيّةً وحضوراً يلمسه الناس حين تدخل غرفة.
- صفاءٌ وحضورٌ يبدّلان معنى أن تكون حيّاً، لأنّ الآلة النقيّة هي وحدها القادرة أخيراً على أن تسمع الإشارة من تحت الضجيج.
لم تُخلَق للصيانة. خُلقت لأداءٍ لا يكاد أحدٌ يشهده، لأنّ أحداً لم يُكشَف له يوماً دليل التشغيل.
كيف يُنجَز هذا
ليس هذا إيماناً يُطلب منك أن تحمله على عاتقك. إنّه تسلسلٌ يُريك كيف تشغّله، كتبه بنّاءٌ لا مُرشدٌ روحيّ، وقيل بوضوحٍ لأنّ الآليّة جديرةٌ بالقول الصريح. اقرأه من أوّله، فيقود الآلة صعوداً من الأرض إلى علٍّ.
أوّلاً تنزع ما يسدّ السلك: الطفيليّات، والكبد المثقَل بالرواسب، والمعادن الثقيلة المغروسة في الدارة كما تُغرس ذرّات الحصى في محملٍ دوّار. ثمّ تعيد بناء ما صُنع منه السلك: المعادن التي فقدتها التربة في صمت، والماء المهيكَل الذي بُني منه الجسد في أغلبه، والنور الذي يخزّنه الطعام الحيّ فعلاً. ثمّ تعيد فتح غدّة البصيرة، فتتعلّم أعتق رياضةٍ روحيّة عُرفت وأشدّها صوناً: كيف تأخذ الشحنة التي ما برحت تنفقها عند القاعدة وتسوقها صعوداً في العمود الفقريّ حتّى الدماغ. وعند المقالة الأخيرة لا تكون قارئاً عن الجسد بعد ذلك. بل تكون مشغِّلاً له.
ثمّة شيءٌ واحد عليك أن تحميه قبل أن يصير شيءٌ من ذلك ملكاً لك، وهو الشيء الوحيد الذي يُسلب منك في هذه اللحظة. إنّ الآلة التي تقوم بالتعلّم هي عقلك أنت، وأنت تُدرَّب، شيئاً فشيئاً كلّ يوم، على أن تتنازل عنه: على أن تطبع السؤال في الآلة قبل أن تفرغ حتّى من صياغته، وأن تبتلع الجواب الوحيد الذي تردّه إليك. استرجع تلك المعركة أوّلاً، فلا شيء من بقيّة هذا يُبلَغ من دونها.
فابدأ من حيث تبدأ المطبوعة كلّها، من العقل الذي تفكّر به.
التالي في السلسلة
الجسد الذي لا يفسد · الافتتاحالمكتبة الأخيرةنحن ننزلق من عالم كنت تبحث فيه بين أصواتٍ كثيرة إلى عالمٍ تسلّمك فيه آلةٌ واحدة الجواب. الراحة حقيقية, والثمن حقيقيٌّ كذلك: التنازل البطيء عن العقل الواحد الذي وُهبته لتفكّر به.
- نُشر
- القراءة
- 1 دقيقة