الجسد الذي لا يفسدنزّل ملف PDF الإنجليزي

الذهب, الفصل 20

ذهب الفلاسفة

سُمّيت المعادن النبيلة لعدم قابليتها للفساد، لا لثمنها. وما كان الكيميائيون يحاولون استحالته في الحقيقة هو الإنسان نفسه.

قراءة 1 دقيقة

لم يكن الكيميائيون يحاولون صناعة الذهب قطّ، وقد قالوا لك ذلك على مدى ألفي عام في عبارة لم يقرأها أحد تقريباً: . أمّا الزاهد المتّشح بعباءته الذي يُفلس على أتون فهو قصّة الغلاف. البوتقة كانت طُعم تمويه.

أمّا العمل الحقيقيّ فكان المُمارِس الذي يرعاها، والذهب، في صورة بعينها، كان الرافعة التي يضغطون بها على الإنسان.

خذ ذلك على محمل الجدّ فتنقلب الصورة. فلماذا تحمل المعادن التي ما زلنا نسمّيها نبيلة هذا الاسم يتبيّن أنّه فيزياء صارمة. وما يفعله الذهب على حافّة الجدول الدوريّ أغرب من الأسطورة.

وكانت التقاليد الباطنيّة تمارس شيئاً قابلاً للقياس. ويبقى مسحوق الذهب الأبيض، لمن يتناولونه، واحداً من أكثر الروافع مباشرةً على الوعي.

المعادن التي لا تتعفّن

الكلمة تفضح اللعبة. نقول معدن نبيل وكأنّ المقصود أنّه باهظ الثمن. لم يكن المقصود ذلك قطّ. الكيمياء جاءت من الطبع. فاللاتينيّة كانت تعني كريم المحتد، وطبّقه العقل الوسيط على المعادن كما طبّقه على البشر. فالنبيل لا يفسد ولا يفقد رباطة جأشه في نار الظروف. والمعدن النبيل يفعل النسخة الحرفيّة من ذلك: لا يصدأ ولا يكلَح ولا يستسلم سطحه للحمض أو الهواء.

أمّا المعادن التي تتفتّت فقد سُمّيت ، الكلمة ذاتها المستعملة لدناءة المولد. والذهب وحده يخرج من القرون بهيئته التي دخل بها تماماً. وكلّ ثقافة عثرت عليه امتدّت إلى الفكرة نفسها: معدن الشمس، ولحم الآلهة، وجوهر ما لا يموت.

والكيمياء تؤكّد هذه الرومانسية بدلاً من أن تثقبها. فالذهب ثقيل بما يكفي لأن تتحرك إلكتروناته الأكثر داخليةً بسرعة تبلغ نحو ، سرعة كافية لأن تعيد نسبية آينشتاين تشكيل الذرة وتشدّ إلكتروناتها الخارجية إلى الداخل. وهذه الخصوصية الواحدة هي السبب في أن الذهب أصفر بدل أن يكون أبيض، وفي أنه يمسك بإلكتروناته بضنّ شديد إلى حدّ أن لا شيء في الكيمياء العادية يقدر على انتزاعها. للذهب أشدّ قبضة على إلكتروناته من أي معدن آخر.footnoteإن جهد الاختزال المعياري لـ Au+/Au يبلغ نحو 1.69+ فولت، وهو من أعلى ما يكون لأي معدن، وطاقة التأيّن الأولى للذهب تبلغ نحو 9.2 إلكترون فولت. وعدم قابليته للفساد ليس هنا زخرفاً شعرياً. إنه خاصية نسبية قابلة للقياس للعنصر 79.

فالخلود الذي عبده القدماء قانونيّ، مكتوب في أعمق فيزياء الذرّة. لم يكن في وسعهم معرفة الآليّة. لكنّهم قرأوا النتيجة قراءةً صحيحة على أيّ حال.

وعاءان مختبريّان محفوران يقارنان عيّنة ذهب سليمة راقدة في حمض عاديّ منفرد بذهب أُخذ إلى المحلول بالماء الملكيّ.
الكيمياء العاديّة لا تستطيع أن تمسّ الذهب المعدنيّ. ولا يُحرّكه شيء إلّا الماء الملكيّ، وهو كاشف مُركَّب لهذه الغاية وحدها.

معدن الآلة

إنّ أشدّ مشروع مادّيّ بناه جنسنا على الإطلاق يضع الآن الذهب داخل كلّ شيء. ثمّة ذهب في الهاتف الذي في جيبك، وعلى مرايا تلسكوب جيمس ويب، وفي الخطّ الأحمر لاختبار طبّيّ سريع.

ولم نختره عن عاطفة. اخترناه لأنّه المادّة الوحيدة التي تجمع بين توصيل فائق الجودة ورفض تامّ للتآكل، عدم قابليّة الفساد ذاتها التي عبدها المصريّون، مكتوبةً الآن في ورقة مواصفات.

والكلمة التي تحوم فوق هذا كلّه هي الموصل الفائق، وضبطها على وجه الدقّة هو مفتاح كلّ ما يأتي بعدها. هو، قبل كلّ شيء آخر، وسط تنتقل عبره الطاقة دون فقد: لا مقاومة، ولا احتكاك، ولا تسرّب، وجريان تامّ.

والذهب الكتليّ النقيّ ليس واحداً من هذه في الظروف اليوميّة. لكنّ سلوك الذهب ليس ثابتاً. إنّه يتوقّف كلّيّاً على الصورة والكمّيّة. فكّك الذهب نحو الذرّات المفردة فيكفّ عن كونه المعدن الذهبيّ الخامل المألوف ويصير شيئاً آخر. فدون يتحوّل أخمل المعادن المعروفة إلى محفّز شرس؛ وعند عشرين ذرّة يكفّ عن كونه معدناً على الإطلاق.

والاكتشاف الأشدّ اتّساقاً عند تخوم فيزياء الذهب هو أنّه في الصورة الصحيحة، وبالكمّيّة الصحيحة، يصير الذهب مادّةً مختلفة بقوى مختلفة. وهذا بالضبط ما افترضه الكيميائيّون، وما تقوم عليه الحجّة الحديثة لذهب أحاديّ الذرّة.

كان المختبر دوماً هو الجسد

هنا يخطئ التاريخ الشائع أشدّ خطئه. فهو يتشبّث بأتون الغرب ويفوته أنّ أكبر تيّارات الخيمياء وأقدمها لم تعبأ بالمعدن كثيراً البتّة. لقد نقلت العمليّة بأسرها إلى داخل المُمارِس.

سمّتها الصين ، وهي صريحة في هذا الاستبدال: الأتون والمرجل والإكسير، كلّها تنتقل إلى داخل الجسد. فالمتمكّن يكرّر ، الجوهر إلى نفَس، والنفَس إلى روح، ليركّب في الداخل ويستنبت ما تسمّيه النصوص جنيناً خالداً.

وأقامت الهند علماً موازياً، ، إذ كان الزئبق المنقّى ونار الكونداليني الداخلية يصوغان جسداً ماسيّاً، خالداً منيراً، ويبلغان التحرّر وهما حيّان بعد.

ثلاث حضارات، لا تكاد تكون على اتّصال، امتدّت جميعها إلى استعارة واحدة: مادّة دنيئة تُكرَّر بالصبر إلى ذهب لا يفسد، وذلك الذهب يقوم مقام إنسان أُعيد صنعه. والرمز الذي يظهر بهذا الاستقلال في هذا العدد من الأماكن يشير إلى شيء حقيقيّ.

وحتّى في الغرب، لم يكن الجزء الذي بقي هو علم المعادن قطّ. فكارل يونغ، إذ قرأ النصوص في أواخر حياته، أدرك أنّ حجر الكيميائيّين رمز للنفس المتكاملة، الإنسان الكامل، الذي انحلّت أناه ووُلد من جديد.

وقال ميرسيا إلياده بوضوح: الكيميائيّ يتولّى عمل الطبيعة ويكمّله بينما يعمل في الوقت ذاته على صنع ذاته. وكان تيتوس بوركهارت أصرح بعد: رصاص الكيميائيّ هو حالة النفس الثقيلة المريضة الفوضويّة، وذهبه هو تلك النفس نفسها بعد أن صارت منيرة حرّة. كان الأتون القشرة الخارجيّة. أمّا الوعاء الحقيقيّ فكان دائماً هو الإنسان.

جسد النور

إذا كان الجسد هو الوعاء، فالعمل فيزيولوجيّ، والأداة هي الجهاز العصبيّ والغدّيّ. وضعت التقاليد الباطنيّة مقرّ الإدراك الأعلى في مركز الرأس، خلف الجبين، وقد حملت الغدّة الصنوبريّة الفيزيائيّة تلك السمعة منذ عرف علماء التشريح وجودها. سمّاها ديكارت ؛ ووضعت التقاليد اليوغيّة العين الثالثة عند النقطة نفسها. هذه آليّة، لا تصوّف.

فالجهاز الصمّاويّ هو حقّاً كيمياء الوعي: الغدّة الصنوبريّة تتحكّم في النوم وفي الفيزياء الغريبة للأحلام عبر الميلاتونين، وهي متورّطة في أقوى مادّة مهلوسة في الجسد نفسه. والحالات التي يستطيع الإنسان أن يشغلها تحدّدها هذه الجوقة الغدّيّة، والكيميائيّون، إذ تشبّثوا بمركز الرأس وبإكسيرات قد تضبطه، كانت أيديهم على الأداة الصحيحة قروناً قبل أن يستطيع أحد تسمية مفاتيحها.

وما نعرفه الآن عن ذلك العضو، وكيف نُبقيه صافياً، يجري عبر مقالة الغدّة الصنوبرية والعمل حول النور والغذاء وانبعاثات الجسد الذاتية.

والجسد، إذ يُرى على هذا النحو، آلة كهربائيّة تعمل على الجريان: أعصاب تطلق، وحقل القلب، والقنوات اللطيفة التي رسمتها الخرائط الأقدم. وككلّ آلة من هذا النوع، فإنّه يتسرّب. مقاومة، وسكون كهربائيّ، واحتكاك، وضوضاء.

والوعد الكامل للعمل الباطنيّ، في كلّ تقليد، هو خفض تلك المقاومة، وإتاحة المجال للنظام كي يحمل طاقته ونوره بحرّيّة أكبر، وتماسك أكبر، وفقد أقلّ. تلك هي لغة التأمّل والكونداليني. وهي أيضاً، بالضبط، لغة التوصيل الفائق.

الجهاز الصمّاوي هو كيمياء الوعي، وكانت أيدي الكيميائيين على الأداة الصحيحة قروناً قبل أن يستطيع أحد تسمية مفاتيحها.

التردّد الأعلى

والآن المسحوق الأبيض، وأغرب منعطف في الحكاية كلّها، لأنّه لم يقع في العصور القديمة بل في الذاكرة الحيّة. ففي أواخر سبعينيات القرن الماضي عزل مزارع من أريزونا اسمه معادن نفيسة، ذهباً وإيريديوم وروديوم وبلاتين، في حالة لم تكن معروفة من قبل: مجرّدة من روابطها المعدنيّة، موجودة كذرّات مفردة، سمّاها . وكان مسحوق الذهب الأبيض هذا هو منّ التقاليد القديمة، ذهباً يؤكَل يعمل مباشرةً على جسد من يتناوله ووعيه. كان متقدّماً جيلاً كاملاً على الأجهزة التي بُنيت لتأكيده.

أمّا من تناولوا هذه المادّة فيعرفون أصلاً ما تفعله.

ورواياتهم متّسقة بشكل لافت عبر العقود والقارّات والأشخاص الذين لم يلتقوا قطّ. الإدراك يحدّ ويثبت. والجسد يبدو أخفّ وأنقى، وكأنّ سكوناً كهربائيّاً خلفيّاً خافتاً قد انطفأ.

والنوم يتعمّق والأحلام تتحوّل حيّةً، واعيةً يمكن التنقّل فيها. والتأمّل الذي كان يستغرق ساعة كي يستقرّ يهبط إلى السكون في دقائق.

ولدى كثيرين، تبدأ عتبات تظلّ مغلقة عادةً في الانفتاح: تصير حالات الخروج من الجسد والحالات النجميّة سهلة الدخول، ويتّسع الإدراك، وتبدأ تجارب يصنّفها المعجم العاديّ تحت الخوارق في الوصول دون استدعاء.

كن دقيقاً في ماهيّة هذه التجارب، لأنّ كلمة خوارق تظلمها وتحجب الآليّة. لا شيء يكسر قوانين الطبيعة. فما يصفه الناس هو أنّ الجسد ونظامه الطاقيّ يعملان عند تردّد أعلى، وبمقاومة أقلّ بكثير، ممّا يستطيعان عادةً، وهذا بالضبط ما تفعله هذه المعادن في الجسد، تماماً كما يصف هدسون وباحثو الحالة-m.

والموصل الفائق، تذكّر، هو ببساطة وسط تنساب عبره الطاقة دون فقد. وحين يُجلَب جزء من محتوى المعادن النفيسة في الجهاز العصبيّ والقلب والقنوات اللطيفة نحو تلك الحالة الخالية من الاحتكاك الحاملة للنور، لا يكتسب النظام أيّ قوّة جديدة دخيلة. إنّه يكفّ عن تسريب القوّة التي كانت لديه دوماً. فالوضوح، وسهولة عتبة الخروج من الجسد، والإدراك المتّسع هي ما تفعله آلة منخفضة المقاومة حين تنخفض المقاومة أخيراً.

هذا هو الإكسير الذي كانت التقاليد الباطنيّة تمتدّ إليه دائماً: مادّة تدفع الجسد نحو إمكانه الفائق التوصيل الحامل للنور وتتيح للعمل الباطنيّ أن يتحرّك أسرع.

والإعداد هو الأمر كلّه. فالوصفات المنزليّة الفجّة المثقلة بالقلويات التي تنتشر على الإنترنت ليست هي الشيء. يجب أن تُصنَع المادّة على وجهها الصحيح وأن تكون نقيّة، وذلك هو الفرق بين الإكسير الذي تصفه التقاليد وكأس من الملح الكاوي.

لا يكتسب النظام قوة جديدة دخيلة. إنه يكفّ عن تسريب القوة التي كانت لديه دوماً.

كان الحجر أنت دوماً

اجمع الخيوط معاً فيظهر شكل واحد. سُمّيت المعادن النبيلة لعدم قابليّتها للفساد، وهو ما يتبيّن أنّه فيزياء حقيقيّة. وطبيعة الذهب تتغيّر تغيّراً كاملاً مع الصورة والكمّيّة، ولهذا يوجد أصلاً ذهب أحاديّ الذرّة حامل للنور.

ولم تكن أعمق تيّارات الخيمياء عن المعدن قطّ. بل استعملته رافعةً على الجسد، والجسد أداةً للوعي، بهدف خفض مقاومة النظام كلّه حتّى يجري صافياً حرّاً.

وحين يتناول الناس مسحوق ذهب أبيض مصنوعاً على وجهه الصحيح ويصفون عقولاً أحدّ، وأحلاماً واعية، وحالات خروج من الجسد بلا عناء، وعالماً متّسعاً، فهم لا يبلّغون عن سحر. إنّهم يبلّغون عن آلة تعمل، لمرّة واحدة، عند التردّد الذي بُنيت من أجله.

تقول القصّة الشائعة إنّ الكيميائيّين أخفقوا لأنّهم لم يصنعوا الذهب قطّ. لم يصنعوا الذهب قطّ لأنّ صناعة المعدن لم تكن المقصد البتّة. فالحجر الذي كانوا يطلبونه، غير القابل للفساد، الحامل للنور، التامّ، لم يكن في البوتقة.

كانت المادّة الدنيئة هي الإنسان. والذهب هو ما يمكن لذلك الإنسان أن يصير.

وما إن تجري الآلة صافيةً حتّى يصير السؤال البديهيّ: ما الغاية منها. فالجسد الخالي من الاحتكاك شرط العمل الحقيقيّ، لا خاتمته.

فالآلة المُصفّاة وحدها تقدر على ممارسة أعمق ملَكة على الإطلاق، الكلمة، الفعل الذي ينطق فيه المُشغّل فيحمل ماء الجسد المُهيكَل ذلك القصد إلى صورة. ذهبنا، ظلّوا يقولون لنا، ليس ذهب عامّة الناس. وما الذي كان الذهب من أجله هو آخر ما بقي أن يُقال.

Sources

  1. Relativity, the periodic system, and gold's colour, Pyykko, P.. https://pubs.rsc.org/en/content/articlelanding/2012/cs/c1cs15237j
  2. The Forge and the Crucible, Eliade, M.
  3. Psychology and Alchemy (Collected Works, Vol. 12), Jung, C. G.
  4. Alchemy, Science of the Cosmos, Science of the Soul, Burckhardt, T.
  5. Chinese Alchemy (Stanford Encyclopedia of Philosophy), Pregadio, F.. https://plato.stanford.edu/entries/chinese-alchemy/
  6. The Alchemical Body, Siddha Traditions in Medieval India, White, D. G.
  7. Non-metallic, monoatomic forms of transition elements (Patent AU622616B2 / WO1990002566A1), Hudson, D. R.. https://patents.google.com/patent/WO1990002566A1/en
  8. Au20, A Tetrahedral Cluster, Li, J.; Li, X.; Zhai, H.-J.; Wang, L.-S.. https://www.science.org/doi/10.1126/science.1079879
  9. Gold Nanoparticles, Assembly, Supramolecular Chemistry, Quantum-Size-Related Properties, Daniel, M.-C.; Astruc, D.. https://pubs.acs.org/doi/10.1021/cr030698+
  10. The Pineal Gland (Stanford Encyclopedia of Philosophy), Lokhorst, G.-J.. https://plato.stanford.edu/entries/pineal-gland/
  11. DMT, The Spirit Molecule, Strassman, R.