ابدأ من هنا
الآلة
إنّ الشيء الذي يقرأ هذه الكلمات يولّد الكهرباء ويبثّ النور، ومع ذلك لا يكاد أحد يشغّله قريباً من طاقته القصوى. وهذا هو دليل تشغيله: عمرٌ أطول وأصحّ، ونومٌ تستطيع أن تستيقظ في داخله، والمقامات العليا التي طارد المتصوّفون أثرها أعماراً بكاملها.
في هذه اللحظة، وأنت تقرأ هذه الجملة، يُعيد الشيء الذي يقرأها بناء نفسه، خليّةً خليّةً، من الهواء الذي استنشقته للتوّ. سُلّمتَ عند ولادتك أرقى آلة في الكون المعروف، ولم يهبك أحدٌ قطّ دليل تشغيلها.
أُعطيتَ تعليماً لا ينتهي عن كيف تعيش، وعمّا تسعى إليه، وعمّن ينبغي أن تصير، ولم تُعطَ شيئاً البتّة عن الآلة التي تقوم بالعيش. وهذا هو ما بين يديك. ليس ديناً، ولا فلسفةً، ولا عقيدةً يُطلب منك اعتناقها، بل دليل تشغيل الآلة التي تقرأ بها هذه الكلمات: الجسد، والعقل الذي يعمل عليه.
مكتوباً بلسان الآليّة الصريح، ومصوَّباً نحو حافّة ما يقدر عليه هذا التصميم فعلاً.
والتصميم يأخذ بالألباب. ثلاثون تريليون خليّة، وفي داخل كلّ واحدة منها تقريباً صفٌّ من المراكز المعدنيّة يُمرّر الإلكترونات يداً بيد كما يجري التيار في سلك، الحركة عينها التي تُشغّل لوحة دارات. ينطلق العصب بأن يقذف الشحنة على امتداد طوله بمئة متر في الثانية. ويعمل القلب على نبضةٍ من الجهد الكهربائيّ تقرأها الآلة مباشرةً عن جلدك.
والسطح كلّه يبثّ نوراً خفيفاً قابلاً للقياس. أنت متوهّج وأنت تقرأ هذا. وخلف منتصف جبينك تستقرّ غدّة تُنمّي بلّورات حقيقيّة، وبوسعها إمّا أن تتصلّب نحو الحجر وإمّا أن تُعاد إلى الحياة.
وعند قاعدة العمود الفقريّ يربض احتياطيٌّ من الشحنة الخلّاقة، من القوّة بحيث إنّ التقاليد التي تعلّمت سَوقه صعوداً بدل إنفاقه سمّت ما يعقب ذلك ميلاداً ثانياً. لا شيء من هذا مجاز، ولا شيء منه تصوّف. كلّ سطر فيه آليّة، مقيسة ويمكن الاستشهاد بمصدرها.
ما هو المعروض عليك حقّاً
إنّ معظم ما عُلّمتَ أن تخشاه، وأن تُدبّره بحبّة تتجرّعها بقيّة عمرك، ليس سوء حظّ وليس جيناتك. السِّمنة. السكّري. مرض القلب وضغط الدم. أمراض المناعة الذاتيّة. التهاب المفاصل والألم العضليّ الليفيّ. الشقيقة، والأمعاء، والجلد، والغدّة الدرقيّة التي تتباطأ. الإنهاك الذي لا يفسّره أيّ تحليل. الاكتئاب والقلق. الزهايمر والباركنسون. السرطانات. كلّ مرض مزمن تقريباً. وهذا الكتاب يضع جانباً شيئين اثنين لا غير: الحالات المكتوبة في جيناتك قبل نَفَسك الأوّل، وعنف الإصابة الرضّيّة. وحتّى هناك لا يصمد الخطّ نظيفاً، والبند الثاني في القائمة أدناه هو السبب.
إنّه الناتج المتوقَّع لآلة تُشغَّل في الظروف الخطأ: مجوَّعةً ممّا تحتاج إليه، غارقةً فيما يسمّمها، تُدار عاماً بعد عام على وقود لا تقوى على استعماله وفي دورة ضوء لم تتطوّر تحتها قطّ.
أعِد الظروف إلى نصابها، فيفعل الجسد الشيء الوحيد الذي عرف كيف يفعله منذ أوّل خليّة حيّة. إنّه يشفي نفسه.
لن يُبرئ هذا الكتاب شيئاً واحداً، وهو ليس بحاجة إلى ذلك. الجسد هو الشافي. وما هذه الصفحات إلّا تُريك، بتفصيل دقيق مكشوف، كيف تكفّ عن الوقوف في طريقه.
وما ينتظر على الضفّة الأخرى من هذا العمل ليس نسخةً أكثر ترتيباً من الحياة التي تحياها أصلاً. إنّه آلة مختلفة. وإليك ما يتغيّر.
- التحرّر من الأمراض التي عُلِّمتَ أن تتوقّعها. لا أن تُدار ثلاثين سنة عند رقم. بل أن تغيب.
- مناعة أمام ما ينتشر بين الناس، وجروح تلتئم سريعاً. آلة واحدة تفعل الأمرين، وهي نفسها التي تصدّ المرض.
- حياة أطول، وقدر أكبر منها بكثير يُقضى على خير ما يُرام. سنوات تُضاف، والانحدار الرماديّ الطويل يُنزَع من السنوات التي تبقى لك.
- طاقة لا تنهار، وعقل يبقى صافياً من لحظة استيقاظك إلى لحظة نومك.
- نوم ينزل إلى القاع. أربع من الشكاوى التي تُفسده تستجيب لمعدن واحد، في غضون أسبوع.
- التوهّج. الجلد والشعر وبياض العين. حالة تُقاس، لا مجاملة تُقال.
- الذكاء الخام. الفجوة المقيسة بين نقص اليود وكفايته 13.5 نقطة ذكاء. تلك مسافة بين حياتين مختلفتين.
- الذكاء الآخر. المهلة بين ما يحدث وبين ردّ فعلك زمن استجابة، لا فضيلة، وهي كيميائيّة.
- الحدس. اخفض الضجيج يصلك ما كان هناك طوال الوقت.
- الاندفاع. الرغبة، وشهيّة العمل، ودافع الصنع إشارة واحدة تُقرأ على ثلاثة أجهزة، وتتحرّك في أسبوع.
- تحرّر من الشهوات والنزوات التي تحكم في صمت أيّام أكثر الناس: الجوع، والقلق، وجذب الأشياء التي تستنزفك.
- الشحنة الخلّاقة والجنسيّة التي ما برحت تنفقها وتُسرّبها، تُقلَب فتُساق صعوداً إلى التركيز والدفع وحضور يشعر به الناس حين تدخل الغرفة.
- الأحلام، ثمّ التحكّم فيها. الوضوح أوّلاً، ويعود بقوّة. ومن هناك يصير الوعي داخل الحلم قابلاً للتدريب، لا قبله.
- تأمّل عميق يُبلَغ عند الطلب بدل أن يُطارَد ساعة كاملة.
- الإسقاط النجمي. له شرط دخول ماديّ، والشرط غدّة لم تعد حجراً.
- وما تصنعه بهذا كلّه. لا أحد يبني شيئاً عند حافّة قدرته على أربع ساعات من نوم لا يرمّم ودَين معدنيّ عمره عشرون سنة. السقف الذي تسمّيه حدّك شرط، والشروط تتحرّك.
- البند الذي يتراكم. ليس أيٌّ ممّا سبق فائدة منفصلة. هو تغيّر واحد يُرى من ستّ عشرة زاوية.
تحت كلّ سطر من تلك السطور آليّة: إنزيم، أو مستقبِل، أو رقم. والفصول القادمة تسمّيها واحدة واحدة، بالجرعة والمصدر. هذه الصفحة جرد، وبقيّة الكتاب هي الكيف.
لم تُبنَ للصيانة. بُنيتَ لأداءٍ لا يكاد أحد يشهده.

كيف يُنجَز هذا
هذا تسلسل، ويجري بترتيبه، لأنّ كلّ مرحلة هي ما يجعل التالية ممكنة. اقرأه من أوّله فيقود الآلة صعوداً من الأرض.
أوّلاً تُعيد بناء ما صُنع منه السلك: المعادن التي فقدتها التربة في صمت، والمكمّلات القليلة التي يقدر الجسد فعلاً على امتصاصها.
ثمّ تنزع ما يسدّه: المعادن الثقيلة المغروسة في الدارة كما تُغرس ذرّات الحصى في محمل دوّار، واللمف المتوقّف، والطفيليّات في الأمعاء، والكبد المُترسِّب.
ثمّ تُعيد فتح غدّة البصيرة وتُطعم الآلة المُصفّاة الأطوال الموجيّة التي بُنيت لامتصاصها: الشمس على الجلد، وحمل الفوتونات الذي ما زال الطعام الحيّ يحمله، والماء الذي بُني منه الجسد في أغلبه.
ثمّ تتعلّم أعتق رياضة عُرفت وأشدّها صوناً، كيف تأخذ الشحنة التي ما برحت تنفقها عند القاعدة وتسوقها صعوداً في العمود الفقريّ إلى الدماغ. وعند الصفحة الأخيرة لا تكون قارئاً عن الجسد. تكون مشغِّلاً له.
ثمّة شيء واحد عليك أن تحميه قبل أن يصير شيء من هذا ملكاً لك، وهو الشيء الوحيد الذي يُسلب منك في هذه اللحظة.
الآلة التي تقوم بالتعلّم هي عقلك أنت، وأنت تُدرَّب، أكثر قليلاً كلّ يوم، على أن تُسلّمه، سؤالاً بعد سؤال، إلى آلة تفكّر مكانك ولا تتقاضى منك شيئاً تراه. استرجعه أوّلاً، فما من شيء في البقيّة يُبلَغ بدونه.
لذلك نبدأ خطوةً واحدة قبل الجسد، من العقل الذي تفكّر به. ثمّ نهبط إلى التراب، حيث تُصنَع الآلة.