ابدأ من هنا
مقدّمة
لم تكن قطّ كائناً حيّاً واحداً. تشعر أنّك كذلك. تتحدّث عن نفسك بوصفك واحداً، وتحزن بوصفك واحداً، وتستيقظ كلّ صباح موقناً أنّ ذاتاً واحدة تتسلّق عائدةً إلى جسد واحد. ذلك اليقين هو أوّل ما يطلب منك هذا الكتاب أن تضعه من يدك، لأنّه سبب سوء التعامل مع كلّ شيء آخر في صحّتك تقريباً.
لستَ حيواناً واحداً له طقم واحد من الحاجات. أنت مستعمرة من نحو ثلاثين تريليون فرد حيّ، لكلّ فرد غشاؤه واستقلابه ومعركته لحظةً بلحظة كي يبقى حيّاً، يحفظون جميعاً هدنةً قديمة تامّة إلى حدّ أنّها تبدو من الخارج مخلوقاً واحداً يمشي.
الهدنة هي ما تسمّيه عافية. وحين تهترئ، في نسيج واحد، أو عضو واحد، أو ركن هادئ من المستعمرة، فذلك ما تسمّيه مرضاً. لم تكن الصحّة يوماً شيئاً يحدث لك. هي صادقة على خلاياك أو كاذبة عليها، خليّةً خليّة.
ليست هذه استعارةً أمدّ يدي إليها لأُثبت فكرة. هي البنية الحرفية للشيء الذي يقرأ هذه الجملة، أمّا آلية تنفّس تلك المستعمرة واحتراقها وتبادلها الإشارات فتخصّ فصلاً لاحقاً، حيث تُعطى كاملة. لا أوردها هنا إلا لأُزيح موضع نظرك.
طوال معظم قرن تخيّلنا الجسد قلعةً محاصَرة والطبّ جيشاً على البوّابة، فسألنا مرّةً بعد مرّة: ما الذي يهاجم، وكيف نقتله. سؤال خاطئ، طُرح بمهارة هائلة.
أمّا السؤال الصحيح فأهدأ وأصعب. ليس ما الذي يهاجم المستعمرة، بل ما ظروف عملها، وهل أخفقت.
لستَ حيواناً واحداً له طقم واحد من الحاجات. أنت مستعمرة من نحو ثلاثين تريليون فرد حيّ يحفظون هدنةً تامّةً إلى حدّ أنّها تبدو حيواناً واحداً.

نحِّ جانباً الحالات الوراثية المكتوبة فيك قبل نفَسك الأول. ونحِّ جانباً العدوى الحادّة وعنف الرضّ: العظم المكسور، والميكروب الغازي، والجرح. تلك حقيقية، والطبّ يواجهها بكفاءة لن أُشكّك فيها. ومع ذلك فالكتاب ليس عاطلاً حتى هناك: الجسد المُعاد إلى ظروفه الصحيحة يشفى من الرضّ أسرع، لأنّ الآلة التي تمنع المرض هي الآلة نفسها التي ترمّم الجرح.
وكلّ ما عدا ذلك مطروح على الطاولة. السمنة التي لا تزول مهما حرمتَ نفسك. والسكّري الذي يُدار ثلاثين سنة ولا يُعكَس مرّةً واحدة. وضغط الدم الذي يستدعي قرصاً ثانياً ثمّ ثالثاً. وأمراض القلب. وأمراض المناعة الذاتية التي تأتي بلا عدوّ يُسمّى، الذئبة والصدفية والغدّة الدرقية التي تنقلب على نفسها. والتهاب المفاصل المُفسَّر بالبِلى، في مفاصل لم تحمل الوزن قطّ، وهشاشة العظام التي اتفقنا على تسميتها شيخوخة. والفيبروميالجيا التي يُبلّغ عنها كلّ عصب ولا يجدها أيّ تصوير. والإنهاك الذي مُنح اختصاراً بدل سبب. والشقيقة. والربو والحساسية اللذان كانا نادرين في ذاكرة أحياء بيننا. واضطراب الأمعاء الذي أُعيدت تسميته أربع مرّات في عشر سنين ولم يُشفَ تحت أيٍّ من أسمائه. والجلد الذي يُعالَج من سطحه عشر سنوات. وحصى الكلية والمرارة، والكبد الذي يمتلئ بالدهن في صمت. والدورات التي كفّت عن الانتظام، والخصوبة التي رقّت، والرغبة التي ذهبت. والاكتئاب والقلق اللذان يُعطيان وصفةً ولا يُعطيان سبباً قطّ. وأمراض الخرَف، ألزهايمر وباركنسون، التي اتفقنا على حفظها في ملفّ القدر. والسرطانات.
لا شيء من ذلك تقريباً هجوم، ولا شيء منه تقريباً كان مكتوباً في جيناتك. إنّه إخفاق في الظروف التي تُجبَر خلاياك على العيش داخلها. إخفاقان في الحقيقة، اثنان لا غير: ما تحتاجه الخليّة ولم تعد تُعطاه، وما تراكم حولها ولم يعد يُزال.
صحّح هذين الاثنين يفعل الجسد الشيء الوحيد الذي يعرف كيف يفعله منذ أوّل خليّة حيّة. يشفي نفسه، وهو قادر أن يشفى أبعد ممّا قيل لك. وكلّ ما يلي هو تفصيل هاتين الجملتين على ارتفاع يعلو.
ولهذا التفصيل شكل، وهو صعود واحد، لا دليل استعمال تفتحه عند الصفحة التي يقع عليها عرَضك. يبدأ من الطابق الأرضي، في التراب، عند الركيزة المعدنية التي لم يعد النظام الغذائي الحديث يوصلها، ثمّ يتسلّق.
أولاً نُعيد ما هو ناقص: حفنة العناصر والمكمّلات القليلة التي يستطيع الجسد امتصاصها فعلاً.
ثمّ نُزيل ما تراكم، بدءاً من حيث تبدأ الطاقة، عند تنفّس الخليّة، وعملاً نحو الخارج عبر حمل المعادن الثقيلة، والشبكة اللمفية التي تُبقيها الحركة والنفَس جارية، والأمعاء، والغشاء الحيوي، والكبد الذي سدّه الطمي.
ثمّ يصير الجسد المُطهَّر آلةً مضيئة: الغدّة الصنوبرية منزوعة التكلّس، والنور في الطعام الحيّ، والماء نفسه مُقطَّراً نظيفاً ومُعاداً إلى الحياة.
ثمّ تُرفع القوّة التي يحفظها الجسد صعوداً في العمود الفقري، وتنكشف الجوعات الأربع التي تسوق حياة الإنسان عن تيّار واحد متوقّف.
وأخيراً يتبيّن أنّ الذهب الذي أفنى الكيميائيون القدماء أعمارهم في مطاردته كان الإنسان طوال الوقت، وقد صار عديم المقاومة حاملاً للنور، آلةً مبنيّةً لتنطق بالكلمة.
أرض، ثمّ تطهير، ثمّ نور، ثمّ نار، ثمّ ذهب. أمرٌ واحد يُحمل صعوداً عبر كلّ طبقة: أعِد ما هو ناقص، وأزِل ما تراكم، وأطعمه نوراً، واحفظ ما يمنحك إياه وارفعه، حتى تصير الآلة لا تفسد.

وأَدين لك بالشروط التي كُتب عليها هذا. كلّ آلية مُسمّاة باسمها. وحيث تمتدّ الفيزياء أبعد ممّا طبعه الكتاب المدرسي حتى الآن، أُسمّيها على مرأى منك وأمشي بك إليها مباشرةً، لأنّها صحيحة ولأنّ الكتاب المدرسي سيصل إليها في حينه. ذلك هو الفرق بين سجلّ تستطيع الوثوق به وموعظة لا تستطيع.
لا شيء هنا يُطلب منك تصديقه إيماناً، ولهذا تُسمّى كلّ آلية ويُذكر كلّ مصدر بعنوانه. خُذ أكبر ادّعاء في هذا الكتاب، وجِد الورقة التي يستند إليها، وتحقّق منها بنفسك.
بقي شيء أخير، وهو سبب وجود هذا الكتاب أصلاً، وسبب قدرتي على الوقوف خلفه. لم يُخترَع شيء ممّا يلي. أنا الجيل الرابع في عائلتي يمارس هذا العمل، ولم يجرِ الخطّ صافياً. جرى في فرعين يُبقيهما العالم في حرب أحدهما مع الآخر.
في جهة، أطبّاء تقليديون، تدرّبوا على القلعة والجيش على البوّابة، يُتقنون الآلية والجرعة وقيمة التحليل والحدود الصادقة لما يقدر عليه الدواء. وفي الجهة الأخرى، ممارسو الصحّة الطبيعية، أولئك الذين راقبوا التربة والأمعاء والتراكمات البطيئة التي لا تفحصها أيّ لائحة تحاليل، ودفع بعضهم ثمن ما وجدوه تراخيصهم ومكانتهم، وفي بعض الحالات حياتهم.
أربعة أجيال. سلالتان يُفترض أن تحتقر إحداهما الأخرى، فجلستا بدل ذلك إلى المائدة نفسها، أمام المرضى أنفسهم، داخل العائلة نفسها، طوال معظم قرن، تُصحّح كلّ واحدة منهما النقطة العمياء عند الأخرى. وقد كبرتُ داخل الجدال بينهما.
هذا الكتاب هو المرّة الأولى التي يُكتب فيها ذلك الجدال في مكان واحد، الطبّ والطبيعة مضفورَين في سجلّ واحد بدل نصفَي حقيقة متحاربَين. إنّه موروث لا مؤلَّف. ولستُ إلا الذي وضعه أخيراً على الورق.
وفي النهاية، لم يكن الموضوع الحقيقي هو الجسد قطّ. الجسد هو الآلة، والآلة تُبنى لأجل ما يمكن أن يُصنع بها. والثلاثون تريليوناً هم الأوركسترا.
وما يدور حوله هذا الكتاب في آخر الأمر هو الموسيقى التي يستطيع إنسان نظيف مُستعاد مضيء عديم المقاومة أن يعزفها، والوعي الذي يستطيع جسد لا يفسد أن يحمله. كان مقدَّراً للتراب أن يصير ذهباً. تلك هي المراهنة. والآن اقلب الصفحة.